
دراسة أزهرية تستلهم تجربة الموريسكيين في صون الهوية الإسلامية لدى الأقليات
أ.د محمود الصاوى
أوصت دراسة ماجستير أزهرية باستلهام تجربة الموريسكيين الأندلسيين في الحفاظ على الهوية الإسلامية، بوصفها نموذجًا تاريخيًا فريدًا للصمود الديني والثقافي يمكن الإفادة منه في واقع الأقليات المسلمة المعاصرة.
وتناولت الرسالة، التي أعدّها الباحث محمود صبري عبدالنبي عبدالمحسن شريف، إمام وخطيب ومدرس بمديرية أوقاف القليوبية، بعنوان: «دور الموريسكيين في الحفاظ على الهوية الإسلامية في القرنين التاسع والعاشر الهجريين – دراسة دعوية»، الآليات التي انتهجها الموريسكيون للحفاظ على هويتهم الإسلامية في ظل سياسات القمع والتنصير القسري التي فرضتها السلطات الإسبانية عقب سقوط غرناطة.
وكشفت الدراسة أن تمسك الموريسكيين بدينهم وهويتهم لم يكن انعزالًا أو رد فعل عاطفيًا، بل نتاج وعي ديني وثقافي متجذر، استند إلى دوافع عقدية وأخلاقية ومعرفية، وأسهم في بناء منظومة مقاومة ثقافية وتربوية متكاملة، حافظت على الوعي الإسلامي عبر أجيال متعاقبة رغم الملاحقة والاضطهاد.
واعتمد الباحث المنهج التاريخي التحليلي، من خلال دراسة المصادر العربية والإسبانية، وتحليل الوثائق الكنسية وقرارات محاكم التفتيش، إلى جانب كتب الفقه والنوازل والرسائل الإرشادية الموجهة لمسلمي الأندلس، مع ربط الوقائع بسياقاتها السياسية والاجتماعية والدينية.
وتطرقت الدراسة إلى مظاهر متعددة للحفاظ على الهوية الإسلامية، أبرزها التمسك بالعقيدة والشعائر سرًا، وتعليم القرآن الكريم واللغة العربية داخل البيوت، والحفاظ على الأسماء والعادات الإسلامية، وإحياء المناسبات الدينية في الخفاء، فضلًا عن الدور المحوري للمرأة الموريسكية في نقل القيم الدينية واللغوية، وإسهام العلماء والفقهاء في توجيه المسلمين عبر الفتاوى والرسائل الفقهية.
كما أبرزت الدراسة أساليب المقاومة الثقافية، مثل استخدام لغة «الألخميادو» في تدوين النصوص الإسلامية بالحروف القشتالية، وتداول المصاحف والكتب الدينية سرًا، وتوظيف مبدأ التقية كآلية فقهية لحفظ الدين والنفس دون التفريط في جوهر الهوية.
وخلصت الرسالة إلى أن تجربة الموريسكيين تمثل نموذجًا ملهمًا للأقليات المسلمة في كيفية التوازن بين الثبات على الهوية الدينية والتكيف الاجتماعي، وأوصت بتوسيع البحث في الوثائق الإسبانية غير المنشورة، وإجراء دراسات مقارنة مع تجارب أقليات مسلمة أخرى، فضلًا عن إدراج هذه التجربة ضمن مقررات التاريخ الإسلامي والتربية الحضارية.
وقد نال الباحث درجة الماجستير بتقدير عام ممتاز، وسط إشادة لجنة المناقشة بأهمية الدراسة وعمقها العلمي، وبحضور عدد من أساتذة جامعة الأزهر، في مقدمتهم الأستاذ الدكتور محمود الصاوي، أستاذ الثقافة الإسلامية والوكيل الأسبق لكليتي الدعوة والإعلام.


