حوادث

من ذاكرة الازمة

كتبت / فاطمة سيد محمد
أخذ البرد الجاثم على صدر أيامها يتوغل في عظامها يمارس قسوته الخشنة على مشاعرها بعد أن إنقض على مساحات من جسدها وخاصة يديها الناعمتين ولا أشرس منه حين يظهر انيابه لها ضاحكا من اصطكاك اسنانها ..

ويناورها بحيلة ثانية فيسلط ‘‘الشرى‘‘ على جلد احاسيسها فلا تتوقف ‘‘الحكة‘‘ في أطرافها حتى تغرس أظافر الالم في دم الحساسية ..
وتنتهي المعركة دائما بكلمتها المواسية لحالتها إنه البرد في زمن الحرب ولازلنا افضل حالا من الذين زُينت لهم المخيمات بالشهوات فإنجرفوا بشراهة غبية .
حتى سُلبوا ما سُلبوا واصبحوا سلعة رائجة تتقاذفهم بالمجمل اتجاهات الهلاك والغدر : الاجتماعي والبيئي والسياسي وحتى المناخي ..
كان لإنقطاع الكهرباء الذي استمر في اولى انقطاعاته احدى وعشرين يوما غضب من نوع آخر ألا وهو انقطاع عن الاعلام وخاصة التلفاز الذي لعب دورا هاما بكل تناقضاته في الازمة .. وقد سبقته المياه بالشح اذ ان اولى الميليشيات العالمية التي اقتحمت المنطقة والتي اجتاحت البلدات التابعة للمدينة قد استولت على العين الرئيسية للمياه فأغلقت كل أقنية الري الزراعية والري البشري، ألا اخبركم بأبغض المشاعر :
حين ترى امام عينيك تهاوي المدن و ما أبشع من سكرات موتها ..

وتكثر الحلول المخيفة و البدائية والتي اظهرت فيما بعد انها كانت مهيأة عن سابق اصرار كإنتشار المولدات الكهربائية في سوق الفجائع والاجرام .. ولا اخفي ، ان الخوف الاكبر الذي تسلق ارواحنا هو الخوف من الانسان اكثر من الحديد و لأن الخيانة لا تحب الالات وانما تعشق البشر ، فموت عن طريقها قدر يساق اليك اما الغدر البشري فهو يرتدي من الرعب قناع ، ويهيمن على قلب الفتنة فيقتنص فرائسه بجبروت غاشم
ألم يغتالوا صاحب المحل الكبير لستائر الحرير مع ابنه الوحيد فلم تسترهما كل الستائر الفخمة من غدر الملثمين المأجورين..
لبست النفوس آنذاك ثوب الحداد وألغيت كل مناسبات الامل …

نهضت من نومها في اليوم الثاني والعشرين البارد .. واضراب الاستقرار لازال قائم بجوار الحزن والبكاء،
و بدا لها استياء الاجهزة الكهربائية جلي، فالغسالة تشكو من طوابير الالبسة المتناحرة فيما بينها وجلاية الصحون بدأت تأكل من ملحها، اما غرفة ‘‘الشودير‘‘ فهي تستغيث ولو بلتر من المازوت حتى تضخ المياه الساخنة في الوشائع ..
اخذت القرار .. ورفعت سماعة الهاتف في سابقة من جرأتها :
.. ألو ..
اجابها السنترال بالسؤال عن اسمها حين وجد طلبها الغريب في مدينة لم يسبقها مثل هكذا تصرف فالمسؤولون محاطون بالمطبلون فقط
قالت قل له مواطنة تسأله بعد الله عن امر
أذعن المحافظ معلنا لها اصلاح العطل على الفور
قالت : هل كنت تنتظر احدا ليشتكي اليك حتى تصلحه ؟
و بعد ساعتين .. جرت الطاقة في عروق الشبكة لتعانق الاجهزة في ضجة ملونة من الاضواء ،
المفارقة كانت انه بعد اسبوع واحد انشق ذلك المسؤول و التحق بصفوف المخربون حيث وصفهم بذلك واتهمهم بتخريب شبكة الكهرباء !!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: