أدب وشعرعاجل

قصة بعنوان «لقاءُ الليل» بقلم سلمه عبدالرحيم المعبدي 

 

بقلم سلمه عبدالرحيم المعبدي

متابعة نعمات عطية

 

في التاسعةِ مساءً من ليلةِ شتاءٍ بارد، أثناءَ عودتي من عملي بالمصنعِ الذي يقعُ على أطرافِ المدينة، ويَبعدُ عن سكني بالقريةِ عدةَ كيلو مترات،

اعتدتُ كلَ ليلةٍ أن أُمسكَ بكشافٍ يضئُ لي عدةَ أمتارٍ أمامي على امتدادِ الطريقِ الزراعي بينما أسيرُ في الظلام، حيث انقطاعِ الكهرُباءِ المعتادِ في قريتنا، ويبدو أن أهالي القريةِ القاطنينَ على جانبي الطريق قد ناموا مبكرين!

بينما أسيرُ وحدي، وعلى ضَوء ذلك الكشاف رأيتُ أحدَهم على الجانبِ الآخرِ من الطريق يلتفُ بعباءةٍ سوداءَ، من رأسهِ حتى أخمصَ قدميه، يلتفتُ إليّ، لا يُرى منه سوى عينين حمراوين تشخُصانِ ببصرهما نحوي، تشتعلانِ نارًا، أصاب قلبي لهيبُهما، كلما صرَفتُ نظري عنه رأيتُه أمامي، يتراءى لي من كل جانب، شَعُرتُ وكأن قوى سحريةً تجِذُبني إليه، فتسرَّب إلى قلبي الرعبُ، مد إليّ يدًا كالثلج،

لم أُعره اهتمامًا، تظاهرتُ بالقوةِ، أسرعتُ بخطاي أتصببُ عرقًا!

رجوتُ لو أن الأرضَ طُويت تحتي، لأصلَ سريعًا.

أسمعُ خَطو أقدامٍ كثيرةٍ ورائي تُلاحقُني، تسابقَتْ مع سرعتِها دقاتُ قلبي، أينما أطلقتُ قدمَيَّ تتبعتْها قوى خفيةٌ أثقلت خطواتِها،

فكرت كيف أقاومُ ذلك الثِقَل؟

صنعت من ذراعيَّ مجدافينِ أقاومُ بهما الفراغَ حولي، واصلتُ سَيري في صمتٍ رهيبٍ حتى وصلتُ إلى البيت.

أغلقتُ البابَ ورائي بالمِفتاح، بل لم أكتف؛ أحكمتُ غلقَه بثلاثةِ مغاليق، السكونُ يعمُ البيت، الظلامُ أيضًا يخيمُ عليه، أشعلتُ شمعة، تفقدتُ البيتَ بنظراتٍ سريعةٍ خائفة،

يبدو أن زوجتي نامت في غرفةِ الأولادِ الليلة!

فتلك عادتُها بعد كلِ مشادةٍ بيننا، تتركُني وحيدًا مرتجفًا؛ لكنها لم تعلم ما أصابني بالطريق!

لا بد أن أوقظَها وأُصالحَها، لابد أن تكونَ بجانبي الليلة.

مشيتُ بهدوءٍ لأفتحَ بابَ الغرفة، وجدتُ أبنائي يلتفون حولَها كالملائكة، مستغرقينَ في نومٍ عميق،

هل أكونُ أنانيًا وأسلبُها منهم؟

لكنني أحتاجها!

مددت يدًا مرتعشةً ألمَسُ كَتِفَها، صدَّتها زفراتُ هواءٍ دافئٍ خرجت من فمِ ابني الصغيرِ في حِضنِها تسترحِمُني أن أتركَها له.

تراجعَتْ خُطُواتي للوراء، أغلقتُ البابَ ورائي واتجهتُ إلى غرفتي.

بعد منتصفِ الليل، السكونُ يلفُ الجدرانَ كسكونِ القبور، في ظلام الليلِ الحالكِ لا أرى شيئًا حولي سوى ومضاتٍ ضعيفةٍ منهكةٍ مثلي تمامًا، تُطِلُ من انعكاساتٍ عدة.

ضَوءٌ خافتٌ أتى خلسةً من الشارع، اخترقَ زجاجَ الشُرفة، مُحاوِلًا إزاحةَ الستارِ عنها، ليستقرَ على شاشةِ التلفازِ أمامي، شعاعُ ضَوءٍ باهتٍ يتسللُ من عَقِبِ بابِ الغرفة، يوجدُ انعكاسٌ آخرُ هزيلٌ على المرآة، يخيفُني كلما صوبتُ إليه نظري، رأيته شيئًا ما يتحرك، يتشكل، يتغير كلما أعدتُ النظرَ إليه،

تحسستُ السريرَ لأبحثَ عن غطائي الذي انسحب عني فجأة!

في مثلِ تلك الساعة، شئٌ ما يوقظُني، أسمعُ أصواتَهم تناديني، تدعوني للقاءِ كلِ ليلة!

واحد، اثنان، ثلاثة، لم أستطع العد، هم أكثرُ من ذلك بكثير،

لا يحلو لهم الأنسُ بي إلا ليلًا،

لا أعلمُ تمامًا من المدعوُ فينا؛ لكن لقاءَهم دائمًا كان في غرفتي!

يتجاذبون أطرافَ الحديث، يأكلون، يحتفلون، يشترون ويبيعون، اتخذوا غرفتي سوقًا لهم، أراهم يمارسون حياتَهم كاملة، بينهم صبيةٌ وغِلمان، نساءٌ عارياتٌ غيرُ حييات، رجالٌ يلتفون بعباءاتٍ سوداءَ يؤدون طقوسًا غريبة!

صرختُ فيهم:

من أنتم؟

من جاء بكم إلى هنا؟

ماذا تريدون مني؟

لم يلتفت إليّ أحدٌ منهم، بل لم يسمعْني أحد!

كدتُ أُجَنّ، ناديت مرارًا دون جدوى،

تذكرتُ زوجتي وأولادي في الغرفةِ المجاورة، ناديتُ، فلم يُجبني أحد، هممتُ بالقيام لأفتحَ بابَ الغرفة؛ فإذا به أمامي، يقتربُ مني شيئًا فشيئًا، شلَّ حركتي، نظرتُ إلى عينيه، هما نفسُ العينين الحمراوين، نفسُ اللهيبِ المنبعثِ منهما، هو ذاك الشئُ الذي رأيتُه على قارعةِ الطريق، كان هذا منتهى صوتي، كلما اقترب مني عاد صوتي إلى حلقي؛ إلى أن تملّكني ذلك الشئ، لم يعد لأحدٍ في البيتِ أن يسمعَني!

أحسستُ بتوقفِ الزمن، وتوقفِ قلبي معَه،

أخيرًا، وبعد صراعٍ أنهكَ قواي، وجمَّد الدم في عروقي، استطعتُ أن أحرك يديَّ لأُبِعَد ذلك الشئَ عن وجهي، نحيتُه جانبًا، لأقومَ من مكاني، أنادي بأعلى صوتي:

زوجتي، ابني، تعالوا، أنا هنا،

أراكِ زوجتي تدخلين المطبخ، أرى ابني الصغيرَ يُمسكُ بذيلِ قميصكِ، تناولينَه كوبَ ماءٍ ليشرب.

ما لكم لا تلتفتون إليّ؟!

ألم تسمعوني! ألم تروني!

إذن فلآتين إليكم أنا.

ما إن وقفتُ حتي لمحتُ انعكاسي على زجاجِ الشرفة، وقد التففتُ بعباءةٍ سوداء، من رأسي حتى أخمصَ قدمَيّ، لا يُرى مني سوى عينين حمراوين تشتعلان نارًا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: