أدب وشعر

قراءة في رواية الحب لا يموت الناس فقط يموتون

كتبت فاطمة سيد محمد

صلوات الحب السبع – فؤاد يازجي

“يا زمناً يجري لا يتريث ولا يرحم، ليتك توقفت دهوراً في زمان الحب ذاك، إن كل غابة عبرنا بها أصبحت مقدسة، كل شجرة جلسنا في ظلالها غدت إلهية، كل طريق خطا عليه حذاءانا صار نورانيا…”
حين تصبح الكلمات تضاريس للمشاعر يحتل الحب جغرافيا الروح فتتلون القلوب بكل اشكال المناخ . .
هو ..فتح باب القفص واطلق قلبه في يوم الحب
هي.. انتزعت زر ثوبها ووضعته في يديه
لم اكن اعلم ان القديس فالنتاين يوزع باقات معذبة من العشق.. في يوم عيده
لأول وهلة تأكدتُ بإنها قصة حقيقية ..ثمة نفوس تكتب بمداد عصارات احداقها المشتاقة ..
صلوات الحب السبع للكاتب الروائي فؤاد يازجي .. تحتل /174/ صفحة من القطع المتوسط طُبعت في دور النشر [الرافدين / للنشر لبنان بيروت -ودار الفيحاء / للطباعة والنشر / ودار الراشد في حمص / ودار لمحة للطباعة والنشر في مصر ] بغلاف أنيق يرمز للقداسة.. على الاقل هذا ما رأيته أنا حيث كنا صغارا نقول على لوحة كهذه ملائكة الجنة.. نتنافس وبنات طفولتي على اقتناء اجمل الصور منهن..
قد تكون المصادفة الطريفة قادت لهذا الغلاف لان روزالين رسمت لنفسها بحبها النقي هوية قديسة. أيمكن للارواح ان تختلس نبضات قلوبنا وتسافر بها أثناء غفوة حلم جميل؟ فتلقيها على قلوب قد اطلقت رحيقها تنتظر لفحة عشق في عيد الحب..
كتب اليازجي في اوائل السطور :
“صباح عيد الحب ذاك زمان مراهقةٍ من دموع ونسيان، مضيتُ إلى الشرفة وقلت سأحب أول فتاة تخطو على الدرب، سأهيم بها حتى الممات وسأتذكرها بعده ملايين السنين في عوالم أخرى من الحنين…
وعندما لفح الضباب شعري، تحيرت لماذا يغشى قلبي كل هذا الهناء،….
وظللت أنظر إلى الغيم، حتى أيقظتني إلتفاتة غريبة لفتاة ناعمة .. هاتفة دعونا نهدي هذا الياسمين لذلك الفتى، آلا يبدو صافي العينين؟!”
اول مرة تقع لهفتي على رواية مُلحّنة حيث ترافقنا فيروز بكلماتها العذبة اذ تعكس روح الكاتب وجنونه بعشقه لروزالين، فلأغاني فيروز في أيام السوريين مكان زوادة ماء وطعام ملازمة لهم كسنام جمل
وقد قاسمهما الشتاء بعواصفه الثلجية جنونه، والجبل بوعورة روابيه..
وأيضا عناد اباها .. وقلة حيلة امها ..
وكان لعماد جنونه الخاص في حب ابنة العم .. حيث لعب دور دون كيشوت في حياة روز وحبيبها .. ادار طواحين غيرته وتخبطه ..في ميدان حبهما ملازما لهما طوال سرد الرواية. في السرد، يتنقل الكاتب بريشته الملونة بالوان الحب السبعة في رسم الكلمات خاصة وانه استعان بقراءاته في رفد نهر كلماته حيث اشعارا جاهلية وما بعد الجاهلية وكلمات لنُسّاك وصرعى الحب وشعراءه وفلاسفة وكُهان.
يمتلك اليازجي موهبة استخدام مفردات الطبيعة وتعاملها مع مشاعر الانسان، فلم تقل موهبته في وصفه لرحلة النفي التي أُّكره عليها إلى عمق الصحراء دامت اسبوعا عن وصفه لمنشأه في اجمل المصايف .. لدرجة شعرت بنظح عرق على يدي من جبين الصفحات.
“وأخذت الحافلة تهدهد جسمي وتغريني بالنوم من جديد… وأسندت رأسي إلى الزجاج ودمدت: وداعاً يا روزالين. __ أكنت تحدسين أن الحب ليس سوى فجيعة… وأن الحبيبة السعيدة ليست أبداً الحبيبة العربية…؟
لكن شمس الظهيرة المحرقة أخذت تصب أشعتها اللاهبة من النوافذ وتوقظني من تأملاتي.
وكلما اقتربنا من الصحراء كانت ألسنة اللظى المتراقصة تسوط الوجوه __ وبدت المنازل تتلظى __ كانت شواظ الشمس المجنونة قد جعلت عيني زائغتين.”
يظهر لنا أن كلماته نُسجت بخيوط حقيقية حريرية حمراء، لكنها انسلّت ولُفّت بمهارة حول عنق قلب ابتلى فتوغل، واكتوى فأصر وأقبل.
أسرد فؤاد حكايته في ثلاثة فصول وكل فصل ينقسم الى عدة اجزاء ليساعد في تأبط فضول القارئ.. فكلما مضينا فيها قفزت معنا بين السطور مشاعر ما بين اعجاب وحزن .. شوق وحب .. وألم يعتصر الكلمات لمرض روزالين وما عانته قلوب من حولها.
ويظهر تماسك اليازجي وثبات قلبه اتجاه قديسته واضحا في فصول الرواية في عرض مشوق في حله وترحاله اليها في احتفاظه بشالها الاحمر الذي أهدته إياه وارتداءه له قراً وقيظاً، وفي البحث عن خواتم الزواج وهي تصارع سكرات الموت.
” كانت تبكي بسهولة أمامي وتضحك بسهولة لا لشيئ سوى لأنها تحبني .
وكانت تنظر إلي بفرح دائما، وتجلب الحلوى والشاي وتروح وتجيئ وكأنما يخيل لها أنها تخدم الحب ذاته وليس أنا.”
حين داهم روزالين المرض، أخذ شِق وجهها الجميل، فأسدلت شعرها عليه، ولم تكن تعلم أنه سيسدل الستار على حياتها. وفي غابة الذكريات كان لقاؤهما السعيد الحزين..آخر كلماتها: “إنك لم تؤمن بعد… أن الحب يصنع المعجزة، وإن القدمين فانيتين… لكن الروح خالدة.”
انتهت بسرعة، وكأنها سرقت مني.. مع أن الرواية مازالت بين يدي.

قال لي اليازجي عن الشال الذي اهدته له روزالين : “لطالما طويته ثم أرخيت رأسي عليه وكأنما أستريح من أعباء العمر وفجأةً ينتابني خدرٌ غريب كأنني في أحضانها فأبتسم وأغرق في صوفه راضياً.
وها هو وقد مضت أربعين سنة لا يزال كصاحبه ناطر..”
– يبدو ما زال يلون الفراق ويشّع عذوبة رغم رحيلها وتقادم الأحداث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: