أدب وشعر

رواية زهرتي والنخيل

حديث الروح سلمى

 

سامي السعود

عندما تسرح أفكارنا بأشياء جميلة، يصاب الإنسان بغبطة الفرح تترافق أحيانا بعصرة قلب وغصة حلق ودمعة تنساب من العيون.
ربما أصابتني ولامستني تلك اللحظات عندما ودعتني سلمى في ذهابها إلى بيتها الجاثم بالمنطقة الجنوبية بكفر سوسة بدمشق وداعنا كان بجانب جسر فكتوريا عندما استقلت سيارة أجرة وانطلقت؟ هواجس وأفكار يرافقها احساس ومشاعر تقودني تارة إلى الهاوية وتارة أخرى إلى إلامجهول،
تلك الفتاة سلمى التي أحببتها تركت في غيابها ثغرة كبيرة من الألم، وبدأت أتساءل
لماذا تركتها تذهب بمفردها والدنيا مشتعلة والأحداث بدمشق تضرب اطنابها في كل الاتجاهات.؟
كيف لي ان اواجهها غدا عندما ألتقي بها؟
ماذا سأقول لوالدتها التي تعلم أن ابنتها برفقتي ؟ كيف اعاقب نفسي لو اصابها مكروه؟
أسئلة كثيرة تراكمت في عقلي دون الأجابة عليها
يا الله ماذا افعل؟
وجهاز هاتفي صمت لعدم وجود كهرباء في بطاريته. ماهي السبل للوصول
على الأقل أطمئن عليها؟وقفت اتأمل بعض المارة عسا أجد الشخص المناسب كي أكلم سلمى من هاتفه ، أمور لم تكن كما أريدها انا

وسماء دمشق العاصمة ملبدة بغيوم سوداء تبشر بهطول الغيث… والظلام يسدل على البياض معلنا ان المساء قادم يغطي ورد الياسمين وشذاه الفواح حتى شوارعها أصابها الشلل وطيور السنونو تبكي حزنا
والحمام هائم في السماء لا يجد مسكنا له جراء أصوات القذائف والرصاص الذي يملئ سماء العاصمة.. والدخان المتصاعد من الجهة الجنوبية حصرا وصافرات سيارات الإسعاف
والشرطة تسمعها وكأنه يوم القيامةبلا تشبيه  هنا وقعت الطامة الكبرى كما لاحظت يحتار اي شخص اين يذهب.. حتى سيارات النقل الداخلي لم تعد تقف لأي إنسان يرغب بالذهاب إلى بيته ماذا جرى ياترى؟
الزمن ذاك الزمن الذي ضيع كل أمنياتنا وذكرياتنا الجميلة، إنها ساعة غفلة صنعها أصحاب العقول الذين يحملون أفكار قذرة
وقلوب متحجرة لاتعرف الرحمة والإنسانية
ساعة من الزمن وكأن دمشق وشورعها مدينة يسكنها اشباح بلحظة تجد نفسك بعالم آخر.
فكتوريااا ووزارة السياحة

خطوات متسارعة لا اعلم كيف وصلت إلى هذه المنطقة ربما الخوف من الاعتقال وتسلط الامن على كل المارة من الناس؟ ربما الهروب من الخيال إلى اكتشاف الحقيقة وانا الإعلامي الذي كنت أتوقع زجي في سجون النظام بأي دقيقة بسبب انشقاق ابني الذي كان يخدم في فرع مخابرات امن الدولة بحمص والتحاقه مع شباب الثورة السورية… او ربما كتاباتي التي تعريهم أحيانا بطريقة أدبية ملغومة لا يفهمها إلا من دربني وعلمني اساتذتي في الصحافة والإعلام

كنت خائفا حتى من خيالي في تلك الفترة امام وزارة السياحة طلبت من أحد الأشخاص هاتفه فقط مكالمة وقدمت له أسباب عطل هاتفي ، بادرني قائلا : ارجوك لا اريد مكالمات خارجية وتكلم حسب النظام، قلت له ياسيدي فقط أبلغ أهلي أنني بسلام.

قال لك ذلك؟ لم تجب على دقات الهاتف سلمى في المرة الأولى، كررت الاتصال فتح الخط وصوتها يرتجف والخوف اكيد يسري في جسدها قلت لها الو مابك ؟واين انت؟ هل وصلت بخير ؟طمنيني : أجابت لا لا لم استطيع الوصول إلى البيت ؟ المنطقة مغلقة ويمنع الدخول عليها وسيارات الشرطة والإسعاف تملئ المنطقة
قلت لها لماذا لم تكلميني بذلك . قالت اين انت ؟ قلت انا متواجد بين وزارة السياحة وسينما دمشق ، قالت : فقط كلمت امي ووضعتها بالأمر الحالي بعدم السماح لنا بدخول المنطقة وكما اخبرتها سوف أعود اليك؟
قلت لها . نعم وكيف ذلك وانا لم أجد وسيلة نقل تأخذني إلى بيتي . قالت ماعليك انا قادمة بسيارة نقل انتظرني؟
عدت الى صاحب الجوال شكرته كثيرا لهذه الخدمة ،وبدأت الأفكار تعشعش التي لانهاية لها
اكثر من نصف ساعة وانا انتظر سلمى حتى حضرت وحضورها قلع أنفاسي من طيلة فترة الوقوف بمنطقة حساسة جدا، وصلت سلمى قالت أصعد بسرعة نذهب من هنا، انطلقنا الى موقع سكني وعشرات الأسئلة تدور في رأسي ، صمت خيم علينا نحن الأثنين والسائق يقول اين طريقك يااخي. قلت له العنوان
في المنزل قالت سلمى اريد ان أخبرك ماذا جرى معي.قلت لها قبل ان تحدثيني اريد سماع صوت امك حتى يطمئن قلبي سلمى  اجرت مكالمة هاتفية مع والدتها اعلمتها انها بخير وهي عندي . قلت لها اعطيني اكلمها. قالت تفضل؟
السلام عليكم كيفك خالة
ردت السلام وقاطعتني قائلة:ياابني سلمى عندك امانة ونحن نعلم انك خلوق وصديق ابنتي حافظ عليها حتى الصباح، ونعلم يااستاذ ان هذا يسبب لك ازعاج ولكن لامفر كما تشاهد .قلت لها تكريمي ولا ضيم في ذلك.

أنهيت المكالمة وسلمى قد جلست في زاوية الغرفة والدمع بلل وجنتاها. سألتها مابك؟ وماذا جرى لك؟ قالت : انا أتألم وروحي تنزف . ولماذا هذه المصائب تطال البشر. تتحدث وكلماتها المتصاعدة واحرفها المعلثمة جعلت مني أكرر السؤال قلت . تكلمي أنت في أمان قالت . انظر ماذا جرى امامي من إجرام . وقتل . واعتقالات .
وحواجز . وزخات من الرصاص والقنابل ،صمتت برهة واردفت تقول وهي تبكي والسؤاد يغمر جسدها وهي تسرد لي تلك المشاهدات وكأنها افلام اكشن هوليودية.
ثم قالت اكثر من ساعتين وانا والعديد من سكان كفر سوسة ملقين على الارض بأمر العسكر . قلت اكملي: قالت لا اعرف ماذا حصل جاء احدهم وقال انطلقوا من هنا فورا  بعد ان رايت العديد من الناس تغطيهم برك من الدماء منهم اطفال ونساء وشباب ورجال كبار في العمر ، لا اعلم ماذا جرى وتابعت حديثها انا لا اجد في عقلي اي اجابة فقط اشعر ان اضلعي تكسرت على جدول الصمت …انها ياسيدي شهقة الارواح النازفة التي تطلب من الله الخلاص، صمتها اخافني وعيناها تجول في اركان الغرفة ثم قالت: أنا . انا . سمعت اصوات استغاثة مصدرها من اطفال ونساء انه حمل ثقيل ومناظر سوداوية اثقلت روحي لعدم تقديم العون لهم، ثم صرخت بحسرة:لماذا هكذا نموت وكأننا في هذا الموت ننشد

الغفران عن آثام لم نرتكبها . وكم قاسية هذه الحياة التي تحملها الارض منذ ان وطئها اول مخلوق في الدنيا حيث ومن تلك اللحظة استباح دم الإنسان لأخيه الإنسان وتفش على هذا الكوكب كل انواع الجريمة والرذيلة من قتل وفساد وقالت نحن لسنا طرف في تلك اللعبة القذرة
نحن بشر ولسنا حيوانات .
ماذا يجري؟ شيئ يكسر العظام وما هو إلا خراب للأرواح. كنت انا مستمع لحديثها الذي يدمي القلوب
قلت لها . وبعد؟ قالت: نحن في مدينة تسكنها أرواح شريرة واشباح، وسألت: هل هي اقدارنا؟
تتكلم سلمى ونبرة صوتها يدل على الخوف والأسى ،وكما رايتها قبل قليل تلوذ بالصمت وقد ضرب الحزن صدرها ودموعها تسيل من مآقيها،
وتابعت حديثها تقول : انا أشعر بأهمية هؤلاء الناس في لحظة الآخرين لايشعرون ب انسانيتهم ك بشر فأي نظرة مأساوية لتلك النهايات أنه وهم الخدر عندما يفيقوا من سباتهم
ويشاهدوا انهم في مأساة
هم من صنعها طمعا بتبهرج وزخرفة الدنيا أمامهم.
في تلك اللحظات صوت انفجار يهز المنطقة التي انا فيها جعلنا نقف بدهشة ورعب مخيف .
ماذا جرى ترددها
سلمى وهي تبكي . صرخت في وجهها اجلسي واصمتي نحن لانستطيع الخروج وفعل اي شيئ ، اصوات اقدام ومشي وركض وسيارات الشرطة والإسعاف اسمعه وانا صامت بحانب النافذه
التي حاولت الاقتراب منها كثيرا . إلا أن سلمى صرخت بوجهي وسحبتني من يدي الى الخلف وهي تقول ارجع الى الوراء هل أنت مجنون ؟ وقفت مذهولا واستحضرت كلماتها الجميلة انها امل واملي .انها سحر الشرق التي كانت تواسيني احيانا رغم فزعها وخوفها من المجهول بابتسامتها الفريدة ودمعتها الفاتنة.
الساعة تقترب من الرابعة فجرا عندما تكلمت والدة سلمى للاطمئنان هل نحن بخير قلت لها نحن بخير إلا أن سلمى اغرقتها دموعها بالرغم نحن في أمان . اكثر من خمسة دقائق والحديث يدور بين الأم وابنتها حيث شاهدت علامة الفرح تصيب وجه سلمى .التي كانت تكاد تفقد وعيها من الخوف،
قلت لها مابك والابتسامة تغزوا شفتيك. قالت أمي تقول انها قادمة صباحا إلى هنا وأصبحت منطقة كفر سوسة تقريبا آمنة ،قلت لها عظيم هذا وأنه خبر مفرج، هيا سلمى إلى المطبخ لابد من احتساء القهوة. قالت لك ذلك؟
جلست ادخن سجائر وفنجاني بيدي.وسلمى تنظر إلى أوراقي المتناثرة على طاولتي . ترشف قليلا من القهوة وتقرأ(قهرووجع وألم الحب لايخلق عداوة ابدا

قلت لها : الوجع لايجر الندم في حين الخيانة تجر الرذيلة والعبث في كل المجتمعات، تبسمت وعلامات الخوف ربما مازالت مسيطرة عليها ويدك جسدها،
قلت لها سلمى  هل أنت خائفة :
قالت :لا ابدا انني أشعر بالأمان وانا بقربك . أنت الامن والأمان وأنت ضلي فكيف تخاف الوردة من شذاها .
تبسمت وقلت لها: نعم. نعم. قولي ف والله صمتك كاد يقتلني ، ضحكت وقالت انا أعشقك واحبك في زمن الحرب واحبك
ك حب طفل رضيع يعشق صدر امه الذي يجد به الأمان ويغفوا؟
قلت لها: من اين جاءت لك تلك الكلمات والقوة في التعبير .قالت : تعلمت منك واردفت قائلة: ربما تحملت حكر الطفولة مرة واحدة .وهانا الأن غدوت فتاة ناضجة في لحظة من الزمن وفي لحظة كسرت فيها عتبة الألم، وهذه هي الحياة ياسيدي ليس هناك مهربا منها. وهذه هي الدنيا. وما اقسى تلك الحياة.

وما أقسى الحياة على نفسها.
قلت لها انا الأن خائف وأقسم أنني خائف من نفسي، اجابت : لماذا تخاف وانا بقربك؟ تبسمت وقلت لها: يا أملي وروحي
انا خائف عندما يكون مفهوم المعنى خاطئا فيقترب إلى العين ذاك هو الألم والوجع والقهر كما هناك أرواح ياعزيزتي تزرء من مقاومة الخيبة الممزوجة بوجع إلا مبالاة،
نظرت إلى سلمى وانا اكلمها أصابتني بدهشة عندما وجدت في عينيها ثمة بلل رقيق مع ابتسامة مفرحة تبشرني بعد انتظار طويل بشروق الشمس التي اطاحت بظلام الليل الذي ثبت أرواحنا وهي تطوف إلى إلا نهاية.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: