مجتمع

نعرمر.. المحارب والمؤسس

كتب مينا صلاح

في حوار خاص عن سيرة الملك نعرمر مع الباحث في علم المصريات الدكتور أحمد عبد الفتاح قال أن الملك نعرمر عصر الأسرة الأولي ( أولي أسرات عصر الدولة المبكر) عن طريق العمل علي توحيد البلاد من خلال ضم شمال مصر إلي جنوبها
وقد إختلف العلماء في تأكيد نسبه لوالده ، فهناك من يرجح أنه إبنًا للملك (كا سخن) وهو الملك قبل الاخير بعصر الأسرة (صفر) ، وهناك من يري أنه إبنًا للملك (العقرب) أخر ملوك عصر نفس الأسرة
ولازال الترجيحان يحتاج كلٍ منها إلي مزيد من الأدلة الأثرية لإثبات أيهما أكثر صحة
ويعد الملك – نعرمر- حالة فريدة من نوعها في التاريخ المصري القديم ، حيث يري بعض علماء المصريات أنه لم يكن هو موحد القطرين ، وأن له إبنًا يُدعي (حور عحا) هو من قام بتوحيد شطري البلاد
ودللوا علي ذلك بوجود بطاقة عاجية مكتشفة مقبرة الملكة -نيت حتب- يُذكر فيها إسمي حور عحا ومِني إضافةٍ إلي إسم نعرمر ، وبالتالي يروا أن هذا مبرر واضح لرأيهم
ويري البعض الأخر أن نعرمر هو من قام بذلك التوحيد ، وإتخذ لقبان أحدهما (مٍني) وهو لقب نبتي يعني ( المؤسس أو المثبت) ويدل علي قوته في حكم الجنوب ، والأخر (حور عحا) وهو لقب حوري يعني (حورس المحارب) ويدل علي سيطرته العسكرية علي الشمال وضمه إلي الجنوب
وقد دللوا علي أنه قام بتوحيد القطرين
من خلال الأثار التي تركها ولازالت باقية إلي الأن ، وأشهرها صلاية (الإنتصار و التوحيد) المعروفة بصلاية( نعرمر)
-ومن جانبنا فإننا- نرجح صواب الرأي الأخير ليس لوجود تلك الصلاية فقط ، بل لوجود عدة أدلة أثرية أخري أكثر تأكيدًا علي ذلك
فعلي سبيل المثال نجد أنه قد تزوج أميرة من الشمال تدعي -نيت حتب- وصارت بعدها ملكة (وتُعد أقدم ملكة معروفة في التاريخ إلي الأن) ، ويعني إسمها (نيت راضية) والمقصود ب(نيت) هي الربة الحامية في شمال مصر ، ومركز عبادتها الرئيسي في مدينة (سايس) بغرب الدلتا ، وذلك دليل واضح علي كسر الحاجز العدائي الذي كان قائمًا قبل ذلك بين جنوب مصر وشمالها ، ودليل علي رضا أهل الشمال بوحدة البلاد
وليس ذلك فحسب ، بل عثر عالم الأثار الفرنسي -جاك دي مورجان- في عام 1897م علي مقبرتها في منطقة( نقادة) بشمال محافظة قنا حاليًا ، وتقع تلك المحافظة في جنوب مصر ، وقد لُقبت في أحد البطاقات العاجية المكتشفة داخل مقبرتها بلقب (موحدة السيدتين) ويقصد بالسيدتين كلٍ من (نخبت) المعبودة الحامية للجنوب و (واجيت) المعبودة الحامية للشمال ، وذلك دليل أخر علي أن التوحيد قد تم في عهد الملك نعرمر ، وليس في عهد شخص أخر
وبالإضافة إلي ما قام به نعرمر من توحيد للبلاد ، وقضاء علي الفتنة التي أراد بها الأعداء إستمرار الإنفصال
أيضًا يذكر هيرودوت أن الملك نعرمر قام بإنجاز إداري كبير ، حيث شيَّد مدينة عُرفت بإسم مدينة (منف) لتكون عاصمة للبلاد في ذلك الوقت ، وأُُطلق عليها حين تأسست إسم (إنب حدج) أي (مدينة السور الأبيض)
ويبدو أنها قد سميت بهذا الإسم ربما لأنه قد حدها سور ضخم أبيض مبني من الحجر الجيري ، ولعله كان سورًا مميزًا فسُميت لذلك بإسمه
وتقع مدينة السور الأبيض في منطقة (البدرشين) بمحافظة الجيزة ، وكذلك فقد جعل نعرمر جبانة هذه المدينة بالقرب منها ، حيث منطقة سقارة بمحافظة الجيزة حاليًا
ومن جانب أخر ، فقد ذكر الرحالة ديودور الصقلي في إحدي رواياته أن نعرمر أنشئ مدينة (بايم) التي تعني (البحيرة) ومن المرجح أن إسمها قد حُرف فيما بعد إلي (بايوم) ثم إلي (فيوم) وهي محافظة الفيوم الأن ، وقد أعزي ديودور إنشاء نعرمر لتلك المدينة إلي قصة أسطورية يكاد أن يموت فيها نعرمر أثناء رحلة صيده بسبب هجوم بعض الضباع الضارية عليه في تلك المنطقة ، ولا يجد أمامه مفر منهم سوي أن يلقي بنفسه في هذه البحيرة ، وبالفعل يلقي نفسه بداخلها فينقذه المعبود سوبك الذي يتجسد في هيئة التمساح ، ويحمله إلي الجانب الأخر الآمن من شاطئ البحيرة ، وبالتالي ينشئ نعرمر تلك المدينة تخليدًا وشكرًا لذلك المعبود الذي لم يتخلي عنه حين قفز إلي البحيرة .
ولم يكتفي نعرمر بالإنجازات الداخلية لدولته بل عمل أيضًا علي تأمين الحدود الجنوبية لمصر ، حيث عُثر في مقبرته بأبيدوس علي بطاقة خشبية تسجل قيام حملة عسكرية علي النوبة ، لتأديب قبائلها التي تُعادي السلطة المصرية
وأيضًا علي المستوي التأميني لحدود الدولة المصرية ، فهناك لوحة ربما تعود لعهد نعرمر وتعرف بإسم (صلاية الجزية الليبية) وتدل علي أن الملك قد تصدي لغارات القبائل الليبية وعمل علي تأمين الحدود الغربية لمصر
ويذكر مانيتون السمنودي أنه قد وصلت مدة حكم الملك نعرمر (حور عحا) إلي حوالي 62 عامًا
وقد شُيدت له مقبرتان ، إحداهما في جبانة العاصمة بسقارة ، والأخري في مسقط رأسه بأبيدوس في محافظة سوهاج
ومن الجدير بالذكر أن في تلك الفترة كان من الوارد أن يكون لكل ملك مقبرتان ، إحداهما مقبرة فعلية والأخري في مسقط رأسه وتعرف بإسم المقبرة الرمزية
وبالتالي فإنه من المرجح أن يكون قد تم دفنه في مقبرته الفعلية بسقارة ، وليس في المقبرة الأخري بأبيدوس التي إكتشفها المؤرخ والجغرافي الفرنسي -إيميل كليمنت إميلنيو- وهو يقوم بسمح أثر لتلك المنطقة في عام 1890م .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: