مقالات

مفهوم الحداثة والمضون التقليدي في الشعر العربي 

إعداد / عبد الحق عبده
تمرد رواد الشعر الحر على المضمون التقليدي في الشعر العربي، تمرداً سياسياً واجتماعياً وفكرياً وميتافيزيقياً. وجاء تمردهم هذا، بعد أن فتحوا عقولهم ووجد ناتهم الى تجارب العالم الغربي القديم والحديث، مما طبع شعرهم بطابع الرؤى الفلسفية والعالمية(1). وكان (لاليوت) اثر واضح في شاعرية الرواد، اذ اعطى لمضمونها الشعري أرضية تتحرك عليها وخلفية تصدر عنها(2).
قبل ان نتحدث عن مفهوم حداثتهم في المستوى الدلالي، أرى انه يتحتم علينا ان نلقي نظرة عامة على طبيعية المفهوم الشعري في مراحل ابداعهم الشعري المختلفة، والتعرف على غاية الشعر عند كل شاعر من شعراء الشعر الحر، لان مفهوم الشعر وغايته، ودور الشاعر، عند شعراء الشعر الحر يتغيران من مرحلة الى اخرى، وهذا التغيير والتحول لم يقتصر على شاعر دون سواه، وانما ينطبق بوجه عام على رواد الشعر الحر(3). وهذا التحول ، غالباً ما يكون متصلاً بتقلب ظروف الحياة من حولهم.
قسم معظم الباحثين مراحل ابداع (السياب) للشعر على ثلاثة مراحل(4): الاولى وهي المرحلة الرومانسية، ومفهوم الشعر في هذه المرحلة هو مفهوم ذاتي، والشعر توأم الحب، وقد وحّد (السياب) بينهما توحيداً شاملاً، وعدّ القلب هو مصدر إلهام الشعر. ودور الشاعر هنا دور الخالق والمبدع(5). والمرحلة الثانية هي مرحلة التزامه بالواقعية الجديدة، ومفهوم الشعر، هنا يصبح اكثر شمولية من الفردية، والشعر هو الفن الذي يعبر عن واقع الامة، ليكون شعراً صادقاً في تعبيره، وان تعبيره عن افكار العصر ومضامينه هو إفصاح عن فهمه للدور المهم الذي يجب ان يشغله الشعر، إذ “إن الشعر في هذا العصر، لا يزال له خطره، وان الشاعر لايزال كما كان منذ القديم نبياً بين الناس، يرشدهم ويهديهم، ويقوّم ما اعوج من طباعهم واذواقهم”(1). وقد ادرك (السياب) ان المضمون الذي لا يمثل حقائق العصر لا يمنح الشاعر وجوداً مؤثراً، وهذا ما أكّده حين رأى ان شعره “بناء فني جديد واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وادب الابراج العاجية”(2).
ويجعل (السياب) نفسه من دعاة الادب الواقعي قائلاً: “انني من دعاة الأدب الواقعي او الملتزم أو سمّه ما شئت ، فإنّ ما تدعوه وردة يبقى وردة وان سميناه باسم آخر كما يقول شكسبير”(3). ولكن اية واقعية يؤمن بها (السياب)؟ ان الواقعية التي يؤمن بها (السياب) هي الواقعية التي تحدث عنها (ستيفن سبندر) في محاضرته (الواقعية الجديدة والفن)، وهي واقعية تمكن الشاعر من تحليل مجتمعه تحليلاً يحوي اكبر قدر ممكن من الحقائق(4). وهي واقعية تنبع من نفس الشاعر، واقعية لها الدور في توثيق العلاقة بين الشاعر والمجتمع، وقد بين (السياب) ذلك حين قال: “أنا من المؤمنين بأن على الفنان ديناً يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه ولكنني لا أرتضي ان نجعل الفنان –وبخاصة الشاعر- عبداً لهذه النظرية والشاعر إذا كان صادقاً في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلابدّ من أن يعبّر عن آلام المجتمع وآماله ، دون أن يدفعه أحد الى هذا، كما أنه من الناحية الاخرى يعبر عن الآمه هو وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الاكثرية من أفراد هذا المجتمع”(5) ولم يكتف (السياب) بدعوته التنظيريه فقط، فنراه يطبقها في قصيدته المشهورة (انشودة المطر)(6)، التي استطاع بوساطتها ان يرصد تمزقات الواقع العربي، وصراع المفاهيم القاطنة في الوجدان العربي، وصور الشاعر فيها معاناة الجيل وسوداوية المرحلة واحلام المستقبل(1). ف(السياب) في مرحلته الثانية شاعر ملتزم على مستوى الوجود والواقعية.
ومرحلته الثالثة كانت مرحلة ارتداد الى الذات، واستنكر الشاعر لكل ما جاء من شعره الملتزم، ورأى انه من الافضل عليه ان يكتب ما يجيش في نفسه، وان يكون مفهوم الشعر وغايته ذاتيين، وبعيدين عن الالتزام(2)، وعبر (السياب) عن ذلك فقال(3):

لقد سئم الشعر الذي كان يكتبُ
كما ملَّ اعماق السماء المذنبُ
فأدمى وأدمعا:
حروب وطوفان، بيوتُ تدمر
وما كان فيها من حياةٍ تصدعّا
وبدأت (نازك الملائكة) رومانسية في عاشقة الليل، ومفهوم الشعر عندها مفهوم متصلاً بالذات الباطنية حيناً، وباللاشعور حيناً آخر، والشاعر يعبر عن حالاته بفنه واحلامه معاً(4). وعبرت الشاعرة عن الشعر عندها بأنه مغامرة باطنية حدسية مطلقة. ولكن رومانسيتها هذه، لم تعزلها عن انطلاقها نحو الواقع الانساني الصاخب، واذا عدنا الى شعرها بعد مرحلة عاشقة الليل، نجد ان مفهوم الشعر عندها اصبح مفهوماً انسانياً، والشاعر ولد ليراقب مجرى الحياة، لأنه أصدق صوت معبر عن الانسان والآمه واحزانه(5).
لم تكن الشاعرة انطوائية طوال حياتها، أو تعيش في البروج العاجية، وانما هي شاعرة صورت واقع الحياة ومآسي الحروب وصور المجتمع، ولهذا وضعها معظم الباحثين في ضمن لائحة الشعراء القوميين العرب، ومن هؤلاء الباحثين (س . موريه)(1) و(عبد الرضا علي)(2) و(احمد مطلوب)(3)، وهذا ما يجعلنا نقول عنها بانها شاعرة ذات نزعة وطنية وقومية
ومفهوم (البياتي) للشعر يكاد يكون مفهوماً متنامياً خلال مراحله الشعرية. فقد بدأ ذا رؤى رومانسية، إلا ان الحس الجماعي كان غالباً على شعره، ومن خلال معايشة تجربته الشعرية نجد ان الرؤى الشعرية قد زادت كثافة وتعقيداً، من ديوان الى اخر، والشعر عنده اصبح بمثابة عملية الارتطام بهذا العالم، وان كتابته هي نوع من المعادل لوجود الانسان الذي يفنى في كل لحظة(4). وبهذا التنامي يجعل (البياتي) غاية الشعر، انسانية، ويأسى على الانزلاق بالرومانسية، ويحدد وظيفة الشعر وفعاليته في الواقع، لانه يرى ان الشعر الحق هو الذي يلتزم بالواقع الانساني بكل تناقضاته وصيرورة قضاياه. ومن هنا نراه يثور على دعاة الفن للفن ويصفهم بالمتسولين(5). لانهم لا يصورون الحقيقة، ولذلك ذهب يحقق قضيته من خلال شعره لمواجهة الظلم الاجتماعي، والذل الكوني الذي يواجهه الانسان رغبتاً منه في تحقيق العدالة على الارض(6). وايجاد حلٍ لمشكلة الموت التي يواجها
ودور الشاعر في ظل مفهوم (البياتي) للشعر، أشبه بدور العراف والنبي، ولا يكرر دروساً لقنها مثل المعلم، وانما يخلق ويتنبأ ويستشرف البقاع، ويحاول ايجاد نظام خاص للفوضى الابدية التي يعيشها الانسان من اجل أن يعبر عن المستقبل(7). بمعنى ان للشاعر رسالة ونبوءة خاصة به، ومن ثم لا يمكن لأي شاعر أن يضع وصية يمكن يستخدمها الشعراء الاخرون علامة للهداية. ومن هنا نستطيع ان نقول ان (البياتي) شاعر واقعي، ولكنه منحاز الى قضية سياسية، تمكن من رفعها من المستوى الفكري العام الى المستوى الشعري الخاص.
ومن خلال معرفتنا بمفهوم الشعر وغايته عند كل مرحلة من مراحل ابداع شعراء الشعر الحر، نرى انهم قد وفقوا بين المفهوم والغاية في الجانب التنظيري، وعبروا عنه اصدق تعبير شعراً، في كل مرحلة، وبذلك يمكن القول ان الشعر الحر ولد رومانسياً لكن الواقعية هي التي وصلته الى مرحلة النضج والبلوغ
اما الحديث عن مفهوم حداثة شعراء الشعر الحر في المستوى الدلالي، فأننا نجده يختلف عن حديثنا عن مفهوم شعراء المدارس التي سبقتها في مستوياتها الدلالية. لأننا نجد ان المعبر عنه/ المضمون نفسه يختلف من مرحلة الى اخرى عند كل شاعر من الرواد، بمعنى ان الاختلاف والتباين يظهر عند الشاعر الواحد في كل مرحلة كان له في كل منها موقف فكري يلتزم بمضامينه ويعبر عنها في شعره. وإذا تتبعنا مراحل شاعرية رواد الشعر الحر، يتضح لنا مفهوم حداثتهم في المستوى الدلالي عند كل فرد منهم
كان مضمون الشعر في مرحلة (السياب) الاولى مضموناً يطفح بالرومانسية المملوءة بعواطف الحب الثائر إذ “كان يكفي أن تلمس حسناء كتف شاعرنا في إحدى باحات الكلية.. تسأله في حياء عن موضوع المحاضرة التالية.. أو تتريث الى جواره وتحدثه قليلاً.. حتى تتحول داخل القصيدة الى شقيقة روح”(1). ومضمونه هنا يصب حول قضية اساس هي الحب، وقد جعل (السياب) من ديوانه (اساطير) صدى لهذه القضية، غير أنه غشاها بالغموض الفني(2)، الذي نعده مظهراً من مظاهر حداثة شعره. ولذلك كان مضمونه الاول يفصح عن احداث حياته وانعكاسه لمسيرته الذاتية. وهذا ما جعل شعره غالباً ما يرتبط بعواطفه، بمعنى انه يربط الشعر بعالمه الداخلي، والشعر الحق عنده هو الذي يؤثر في النفس، عن طريق عاطفة الشاعر. وقد اكد (السياب) على دور العاطفة في نتاج أي شاعر، ولشدّة تأكيده اهميتها، نراه يجعل القصائد التي تصدر من عاطفة قصائده خالية من التكلف، ويقول عن قصيدة (ذات الرقي) لخالد الشواف: “كانت جميلة منطلقة من عاطفة فخلت من التكلف. ان كل كلمة في قصيدتك تهنئة من ربة الشعر لك ذلك انك أرضيت عاطفتك بها ثم عدت فأرضيت عاطفة غيرك”(1) فالعاطفة اذاً هي نجاح الشاعر، و(السياب) لايريد من الشاعر ان يصوغ الحقائق الجاهزة شعراً، لا نه بذلك يقتل دور العاطفة وما تؤديه في وجدان المتلقي.
وبعد مرحلة (أساطير) التي تمثلت بالذاتية، والتي تحول عنها (السياب) الى مرحلة اخرى وهي مرحلة الاشتراكية وانتمائه للحزب الشيوعي العراقي قبل عام 1958، اخذ مضمونه الشعري يفصح عن اهم القضايا الحضارية والانسانية، وقد تمثلت هذه المرحلة بحالة من الصراع بين الايمان بالإنسان ودوره في الحياة، وبين إلغاء دوره وقتل انسانيته(2).
ولما كان (السياب) احد اطراف هذا الصراع، لجأ الى اسلوب يعدّه وسيلة فضلى لتصوير الواقع المتأزم، وحين “ادرك فقدان الروح، واضمحلال الانسان والثقافة قام بتوحيد نفسه، فكرياً، وفنياً مع جذوره الثقافية. وعبر بشكل رائع عن إيقاع الحياة والموت في العصر الحديث الذي يعيشه العرب”(3) وهذا الاسلوب هو استخدام الرموز والاساطير القديمة العربية والغربية في مضمونه الجديد، غير ان هذا الاستخدام لم يكن هروباً من الواقع ومشاكله، بل على العكس ، كان محاولة منه لتوحيد هذا الواقع مع الاسطورة، وتوحيد الاسطورة مع الواقع.
جعل (السياب) من الاسطورة منهجاً جديداً، وعنصراً فاعلاً من عناصر قصيدة الحداثة، ودعا الى إدخالها في الشعر الحديث، وقد اشار الى ذلك، عندما القى كلمة في إحدى امسيات مجلة شعر، فقال: “هناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث: هو اللجوء الى الخرافة والاسطورة، الى الرمز، ولم تكن الحاجة الى الرمز، الى الاسطورة، امس مما هي عليه اليو. فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، اعني ان القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح وراحت الاشياء التي كان بوسع الشاعر ان يقولها أو يحولها الى جزء من نفسه، تتحطم واحداً فواحداً، أو تنسحب الى هامش الحياة. اذن فالتعبير المباشر عن اللاشعور لن يكون شعراً. فماذا يفعل الشاعر اذن؟ عاد الى الاساطير، الى الخرافات، التي ما تزال تحتفظ بحرارتها لأنها ليست جزءاً من هذا العالم، عاد اليها ليستعملها رموزاً، وليبني منها عوالم يتحدى بها منطق الذهب والحديد”(1) وبذلك نفهم ان الحديث عن استخدام الاسطورة في الشعر لم يكن ملفتاً للنظر قبل تيار الشعر الحر، واهتمام (السياب) بها يعود الى رغبته في خلق عالم يرمز لعام الوجود الحقيقي
ان مفهوم (السياب) للأسطورة مفهوم واسع، لا يقف عند حدود القالب التعبيري، وانما هو اساس مضمونه الشعري الذي ينظم قصائده، بمعنى انها “صورة من صور التقمص بين ذات الشاعر والحضارات والثقافات التي اوصى اليها الانسان خلال العصر”(2). وقد استخرج منها الشاعر ابعاداً واقعية عكسها على واقعة الذي يعيش فيه(3). ومن ابرز قصائده التي استطاع ان يوحد فيها بين ذاته وبين تجربة الواقع المعايش قصيدته (انشودة المطر)(4) التي رفعت تجربته من ذاتيتها الى تجربة كونية شاملة(5)، بمعنى ان الشعر عنده اصبح اكثر التزاماً بقضايا الانسان والحضارة الكونية
ان مضمون (السياب) في هذه المرحلة يعتمد اعتماداً كبيراً على اساطير البعث والولادة والتجدد، وقد بلغ البعث اوجه في قصائده (المسيح بعد الصلب)(6) و(النهر والموت)(1)، التي حقق (السياب) فيها الرمز الاسطوري عن طريق تهديم جسر الموت، قضيته التي كان يعاني منها، والعبور الى ولادة جديدة. ونفهم ان الغاية الاساس من استخدامه لهذه الاساطير هو تجسيد حالته النفسية التي كانت تحس باضطهاد غريب في المجتمع. ومن اكثر الرموز والاساطير دوراناً في شعره، رمز المسيح، الذي يمثل خاصية متشابهة مع (السياب)، ولقد افاد منه الشاعر اكثر من ثلاثين مرة في ديوانه (انشودة المطر)(2) متخذاً منه رمزاً للشاعر الذي يضحي بنفسه في سبيل احياء مجتمعه. ويتخذ (السياب) من اسطورة السيد المسيح وسيلة ليتوحد معها، كما في قصيدته (العودة لجيكور)(3) التي بناها على استعارات استمدها من العهد الجديد، واستعارات اخرى استمدها من الصور الاسلامية ، وقد استطاع ان يوفق “توفيقاً بيناً بين الجانب الذاتي وبين الجانب الموضوعي”(4). ولكن نجاح (السياب) في هذا الجانب لم ينجو من الاتهام والعيوب، كالتي وجهها (انس داود) الية، حينما قال: “كما نجد الأسطورة، وتلك أخطر ظواهرها، تقتحم أجواء القصيدة فتشذ عن روحها العام، وتنبو عن طبيعة نسيجها الشعري وتحاول أن تكون استعراضاً لثقافة الشاعر أو تأكيداً مفتعلاً لعصرية شعره وحداثة أدواته الفنية فتسقط في دائرة الرفض، وتنبذ كل مادة زائفة، وفي شعر (السياب) كثيراً ما نشاهد هذه الظاهرة، لأنه قد حاول أن يعتمد اعتماداً كبيراً على الاسطورة”(5). ان اتهام (انس داود) للسياب، يظهر لنا وكأنه يتناسى الدوافع التي كانت تقف وراء استخدام (السياب) وشعراء الحداثة للأساطير. ومن جملة هذه الدوافع:
1. الدوافع التي تخص الحياة في المجتمع الحديث، والتي احدثت تحولاً خطيراً في كل ميادين الحياة، ومنها الشعر على وجه الخصوص(6)
2. الدوافع الفنية، وتتمثل في ضعف تأثير الجرس الصوتي للكلمات وشدة أسر التراكيب اللفظية، ودفع هذا العامل شعراء الحداثة الى ايجاد وسائل التكنيك الحديثة من “مجاز ورمز واسطورة إي الى التصوير المنظور لا الى التصوير المسموع”(1
3. رغبة الشاعر الحديث بالعودة باللغة الى دلالتها الهيروغليفية التصويرية الأولى(2). لان عالم الاساطير هو عالم بدائي له علاقة وثيقة ببدائية وصيرورة اللغة. ان الدوافع السابقة كانت سبباً لمحاولة الشعراء للتنويع والتجديد في جو القصيدة، وجعلها اكثر قدرة على الجمع بين الذات والموضوع الخاص والعام. وبعد هذه الدوافع نستطيع ان نقول ان (السياب) باعتماده على المصادر الميثولوجية والدينية والتاريخية، قد اغنى معنى القصيدة الحديثة، اعني انه استطاع ان يخلق مضموناً اكثر حداثة وتنوعاً للقصيدة العربية.
وتعبر (نازك الملائكة) في مضمونها الاول عن همومها الشخصية، جاعلة من تجاربها الحقيقية التي عاشتها وتلذذت بها محور القصيدة(3). ومن أبرز القضايا التي تجلت في سيل هذا المضمون مسألة الحب، وقد مارسته الشاعرة في ديوانها (عاشقة الليل)، الذي يمثل بداية مضمونها الذاتي، وبداية حبها، وفي قصيدة (بعد عام)(4) على وجه التحديد. والحقيقة ان حب (نازك) لا يمكن ان نضع له حداً معيناً، لأنها من خلال بحثها عن المحب الحقيقي لا تستطيع من مشاعرها الا ان تكون شاعرة متزنة، لان الحرية المكبوتة لا تستطيع ان تصنع تصوراً حقيقياً لكل قيمة حقيقية(5).
عُرفت الشاعرة في مرحلتها الشعرية الاولى برومنسيتها المتشائمة، وكانت تنظر الى الموت على أنه مأساة الوجود، إذ قالت: “كان من مشاعري إذ ذاك التشاؤم والخوف من الموت”(1). وكان هذا التشاؤم سبباً منطقياً للجوء الشاعرة الى الاحساس بالضياع والغربة. وقالت عنها (خالدة سعيد): “الاخرون عنها اغراب، العالم حولها غريب في سائر قصائدها، نمر بها وحيدة، تغني مشاعرها فقط”(2). والحقيقة ان طبيعة الشاعرة هي التي جعلتها تعاني من الاحساس بالغربة التي ذكرتها (خالدة سعيد). وذكر (عبد الله المهنا) انواع الاغتراب التي عانت منها (نازك)، وهي:
1. اغتراب اجتماعي: ويتمثل بموقفها المتعارض من العرف والتقاليد الاجتماعية.
2. . اغتراب فكري: ويمثل معاناة الشاعرة من مأساة الوجود الانساني
3. اغتراب نفسي: وقد انتاب هذا النوع من الاغتراب الشاعرة بالشعور بإن نفسها تتوق الى الانعتاق من هذا العال
4. اغتراب ابداعي: وتمثل بتجربتها الجديدة، بمعنى رغبتها في إحداث شكل جديد(3). ومن هنا ندرك ان (نازك) كانت مخلصة لذاتها، لآنها اهتزت امام كل المعايير التقليدية، وهذا ما ولد مشاعر الغربة عندها.
وبهذا كانت (نازك) في مرحلتها الاولى، بعيدة كل البعد عن المضامين العامة، وهي ترى ان تصوير الحياة والواقع ليس من مهام الشاعر، وانما هو من عمل اناس مختصين لهم من الدراية والثقافة التي تنفعهم بهذا العمل(4). وجاء رأيها هذا في مرحلة مغرقة في تتبع شؤونها وحدها، وقد انشغلت (نازك) بتصوير ذاتها، اذ كانت معروفة في “الدقّ الدائم على أوتار اليأس والميل الى التشاؤم، وإهمال الوجود الخارجي والانطواء على الذات انطواءً قريب الشبه بالمرض، لايعالج المشكلات بل يرفضها ويبتعد عنها”(5) ولذلك فهي ذهبت لمعالجة حالاتها الخاصة، ودعت الى معالجة الذات الباطنية وحالات اللاشعور، بعد ان وقف الشعر القديم على معالجة السلوك الخارجي للإنسان، ولان النفس البشرية غامضة فالتعبير عنها يكون بشكل رمزي(1). والسبب يعود لان هذه الحالات لا يمكن الافصاح عنها بالتعبير المباشر الذي يكون احياناً وسيلة محبطة عند التعبير عن الذات
وبعد مرحلة رومنسيتها التي تمثلت في (عاشقة الليل) و(شظايا ورماد) اخذ مضمونها الشعري بعداً اكثر شمولية. وذلك يعود الى ايمانها بالفكر القومي، وكانت القومية عندها تعني “الحياة نفسها”(2) ، وقد عبرت (نازك الملائكة) عن قوميتها، بصورة اكثر جلاء في محاضرة القتها في مؤتمر الادباء العرب الخامس، الذي عقد ببغداد في فبراير عام 1965، وكانت محاضرتها بعنوان (الأدب والغزو الغربي الفكري)، وكانت المحاضرة تنص على الأدب الغربي الذي غزا الفكر العربي، وقد عدّته الشاعرة اخطر انواع الغزو، لأنه يستهدف روح الأمة واصالتها، وغايته الاساس هو مسخ الهوية العربية، وشل نشاطها وموت نهضتها(3).
وكان للفكر القومي تأثير واضح في مضامين (نازك) الشعرية(4). اذ التزمت الشاعرة بقضاياه القومية، وبالانسان المعاصر على وجه الدقة، الذي اصبح موضوع قصيدتها الاول. وقد اشارت الشاعرة الى المضمون الانساني في كتابها (قضايا الشعر المعاصر)، وذلك عندما حاولت إيثار المضمون على الشكل في الشعر الحر(5). وقد برز مضمونها الإنساني في اشد صورها جلاء، عندما قامت الحرب الكونية الثانية، اذ انطلقت الشاعرة معبرة عن مشاعر الحزن بمطولة سمتها (مأساة الحياة وأغنية للإنسان)(6)، صورت الشاعرة فيها انهيار الانسانية ومأساتها. وقد صورت لنا (نازك الملائكة) انسانيتها فقالت: “فقد كنت احب السلام والمودة والصداقة والعواطف الانسانية، وحين لا أجد ذلك أخيب وأحزن أشد الحزن وأحس أن مُثلي العليا تتحطم على صخرة واقع قاس لا يرحم”(1). ان رقة أحاسيس الشاعرة وإنسانيتها العميقة وحبها للبشرية جعلتها تتألم على مصير الانسان، وجعلت قصائدها ذات النزعة الانسانية تكثر في مرحلتها هذه(2). ولكن ما العوامل التي دفعت شاعرتنا ان تتميز عن غيرها من الشعراء بالنزعة الانسانية الحادة؟ من هذه العوامل:
1. الحرب الكونية الثانية، التي خيمت على العالم، فانطقت الشاعرة معبرة عن مصير الانسانية جمعا
2. طبيعة (نازك) النفسية، واحساسها المرهف ، اللذان جعلاها اكثر استعداداً لبروز هذه النزعة.
3. بيئة الشاعرة –بغداد- حيث كانت الروابط الانسانية في أوثق عراها.
4. شيوع افكار التحرر من العبودية، ودور الانسان في ممارسة الحياة.
5. اعجاب الشاعرة بشعراء المهجر، اللذين تجلت في شعرهم النزعة الانسانية بحقيقتها.
6. قراءة (نازك) المستمرة للشعر الوجداني، ولاسيما قصائد (توماس جري ووردزورث وشيلي وبايرون)(3)
ومما تقدم، ندرك ان المضمون الشعري عند (نازك) قد تغير من الذاتية الخاصة الى التغني بالإنسانية، وهذا التنوع والتحول جاء من التجارب الصادقة التي عاشتها الشاعرة في مجتمعها.
والمضمون الذي مثل مرحلة (البياتي) الاولى، هو المضمون الذاتي، بدأه (البياتي) مع بواكيره الاولى (ملائكة وشياطين). ولكن الذاتية التي اتبعها (البياتي) هي ذاتية محورة عن مواجد الذاتية الرومانسية التقليدية، لانه حاول زحزحة بعض المفاهيم السائدة في ذاتية الرومانسية التقليدية(1). وعلى الرغم من ان قصائد هذا الديوان هي قصائد حب كبيرة، استخدم الشاعر فيها الاسلوب الذاتي، إلا ان هدفه لم يكن هدفاً ذاتياً، وانما هو مضمون يعالج طرائق التعبير عن مأساة الوجود الانساني
قدم (البياتي) رؤيته الذاتية من خلال إبراز مضمونها المرتبط بحركة الواقع، مما جعل افكاره الذاتية “تمارس تجربة العمق من خلال توحدها مع ذاتها اولاً وانكفائها نحو العالم ثانياً في محاولة… للاستمرار والتجدد”(2). فالمضمون الذاتي عند (البياتي) يتسع على افاق واسعة، مما يمنح فرصة للمؤثرات الخارجية للتأثير المنعكس في هذه الذات، وقد حاول (البياتي) ان يعبر عن ذاته فقال: “بدأت اعالج الكلمة، محاولاً بها ان اعبر عن انفعالي بالعالم”(3). بمعنى ان المضمون الذاتي عند (البياتي) خرج من حدوده الضيقة الى ذاتية الانسانية والوجود جمعاء
وبعد مرحلة (ملائكة وشياطين) اخذ (البياتي) يعانق الفكر الماركسي، ويعبر عن المضامين السياسية والفكرية المتعلقة بهذا الفكر. وبالمرحلة نفسها اخذ يكتشف اسلوب الرمز المحوري والاسطورة، سبيلاً للتعبير عن مضامينه المتعلقة بالفكر الماركسي، وقد بدأ له ذلك في ديوانه (سفر الفقر والثورة) الذي مثل بداية التحول في تجربته الشعرية، حتى بلغ فيما بعد التعبير الاسطوري ذروته في ديوانه (الكتابة على الطين)(4) الذي يمثل المعاناة من الموت الشامل، وخاصة قصيدته (قصائد حب الى عشتار)، اذ استلهم الشاعر رموزه واساطيره من اعماق لا وعي الشاعر الجماعي، والتقطت في صعودها الى الوعي خصائص صورية من اللاوعي في مستوياته الثلاثة الذاتي والوطني والقومي(5).
كانت قضية (البياتي) الاولى في هذه المرحلة، الثورة، والتي تجلت في موقفه من الفقر ومواجهة الموت، ولذلك ذهب يدمج بينهما بصورة غير واعية، بمعنى انه حقق التوحد بين التجربة الذاتية والتجربة الانسانية التي تسكن وعيه(1). ورفض الاستسلام لهما، وجاء حلمه بالثورة والولادة سبيلا الى الانتصار، لانه يرى بأن “الشاعر لايرتبط بثورة عصره وبلاده فقط، وانما بثورات كل العصور وكل البلدان، لان روح الثورة تحل في الحياة، وتنتصر على الموت، وتحل في الاشياء فتمنحها الحياة”(2) ولذلك كانت افضل الاساطير لديه هي الاسطورة التي تعبر عن موقفه من الموت، وهي اسطورة الموت والانبعاث التي تحقق له الانتصار، واعادته الى جنة جديدة خالية من الموت وتلغي كل الفوارق الطبقية بين البشر، جنة يتساوى فيها الجميع(3). ان مضمون (البياتي) في مرحلته هذه مضمون “يجسد قيام الحضارات وموتها ثم بعثها من جديد في صورة مماثلة”(4)، وقد رسم (البياتي) ذلك في قصيدته (قصائد حب الى عشتار) فقال(5):
طفلة أنتِ وانثى واعدهْ
وُلدِتْ من زبدِ البحر من نار الشموس الخالدة
كلما ماتت بعصرٍ، بُعثتْ
قامتْ من الموت وعادت للظهور
عشتار هنا هي رمز البعث والولادة في هذه الحياة، وعدّها (البياتي) الثورة نفسها التي “ستحرق آثار الدمار وتبث الحياة في الطلول الدارسة، فتعود بابل الى شبابها بعد شيخوخة وموت”(6). ولكن ما مدى عمق ايمان شاعرنا بحصول الولادة –اعني قيام الثورة-؟ ان حصول الثورة اشبه بالبحث عن ابرة بين اكوام من القش، وقال عن ذلك(1).
ايها النور الشهيد
عبثاً تصرخ فالعالم في الاشياء والاحجار واللحم يموتْ
والصبايا والفراشات وبيت العنكبوت
والحضارات تموت
عبثاً تمسك خيط النور في كل العصورْ
باحثاً في كوم القش عن الإبرة، محموماً، طريدْ
وعلى الرغم من صعوبة الحصول على الابرة بين كوم القش، إلا ان هناك املاً وايماناً مسبقاً بظهورها، لأن الشاعر في اعماقه الذاتية والجماعية يؤمن بالثورة التي ستحرق الفقر والموت، وتبني عالماً سعيداً، فيقول(2):

فمتى يشتعل الانسان في الثورة والحب وفي دو

الخلق واعصار الحري
ان الاساطير التي افاد منها (البياتي) هي نفسها –او تكاد تكون متقاربة مع الاساطير- التي افاد منها (السياب) فيما سبق، لكن هناك ثمة مميزات تلتصق بأساطير ورموز (البياتي) دون سواه من الشعراء العراقيين والعرب المعاصرين له(3). ومن هذه المميزات:
1. ان الاساطير التي افاد منها (البياتي)، وهي كثيرة، لا يقف وجودها في شعره عند حالته الشخصية، بل انه يعمد التوسل اليها لتقديم كل ما يتوارد الى ذهنه من الافكار والمواقف، مما تتسع لمضامين الثورة والتمرد(4).
2. يكتفي (البياتي) بذكر حالة واحدة تتسع لمضمون القصيدة كلها(1)، وخير مثال على ذلك قصيدته (العرب اللاجئون)(2) التي استعان الشاعر برموز عدة، لكن اللاجئين كلهم لديه بصورة واحدة، وهي صورة السيد المسيح
3. ان الاساطير والرموز التي افاد منها الشاعر في مضمونه الشعري غالباً ما تكون قابلة للتغيير والتحول، فأننا نرى (عشتار) كانت بطلة للدلالات الاسطورية في الخصب والنماء، ثم يحولها الشاعر الى (عائشة) في قصائد اخرى، والى (لارا)، و(خزامى) ايضاً، وذلك لانه يرى ان كافة الرموز وهي رموز المدن والأسماء تعني رموز مدن واسماء الماضي والمستقبل، وهي تؤلف دلالات الحلول الثوري(3).
ومما تقدم، نرى ان هدف (البياتي) من استخدامه للرموز والاساطير في مضمونه الشعري الجديد، هو إضاءة الواقع الاجتماعي، وايجاد العلاقات بين ما هو موقف قديم وموقف جديد. وبذلك نفهم ان الإفادة من الرموز والاساطير تعد من اقانيم حداثة رواد الشعر الحر، وبدونها لا تحيا قصائدهم المبنية على التنوع المتري.

مفهوم الحداثة والمضون التقليدي في الشعر العربي
إعداد / عبد الحق عبده
تمرد رواد الشعر الحر على المضمون التقليدي في الشعر العربي، تمرداً سياسياً واجتماعياً وفكرياً وميتافيزيقياً. وجاء تمردهم هذا، بعد أن فتحوا عقولهم ووجد ناتهم الى تجارب العالم الغربي القديم والحديث، مما طبع شعرهم بطابع الرؤى الفلسفية والعالمية(1). وكان (لاليوت) اثر واضح في شاعرية الرواد، اذ اعطى لمضمونها الشعري أرضية تتحرك عليها وخلفية تصدر عنها(2).
قبل ان نتحدث عن مفهوم حداثتهم في المستوى الدلالي، أرى انه يتحتم علينا ان نلقي نظرة عامة على طبيعية المفهوم الشعري في مراحل ابداعهم الشعري المختلفة، والتعرف على غاية الشعر عند كل شاعر من شعراء الشعر الحر، لان مفهوم الشعر وغايته، ودور الشاعر، عند شعراء الشعر الحر يتغيران من مرحلة الى اخرى، وهذا التغيير والتحول لم يقتصر على شاعر دون سواه، وانما ينطبق بوجه عام على رواد الشعر الحر(3). وهذا التحول ، غالباً ما يكون متصلاً بتقلب ظروف الحياة من حولهم.
قسم معظم الباحثين مراحل ابداع (السياب) للشعر على ثلاثة مراحل(4): الاولى وهي المرحلة الرومانسية، ومفهوم الشعر في هذه المرحلة هو مفهوم ذاتي، والشعر توأم الحب، وقد وحّد (السياب) بينهما توحيداً شاملاً، وعدّ القلب هو مصدر إلهام الشعر. ودور الشاعر هنا دور الخالق والمبدع(5). والمرحلة الثانية هي مرحلة التزامه بالواقعية الجديدة، ومفهوم الشعر، هنا يصبح اكثر شمولية من الفردية، والشعر هو الفن الذي يعبر عن واقع الامة، ليكون شعراً صادقاً في تعبيره، وان تعبيره عن افكار العصر ومضامينه هو إفصاح عن فهمه للدور المهم الذي يجب ان يشغله الشعر، إذ “إن الشعر في هذا العصر، لا يزال له خطره، وان الشاعر لايزال كما كان منذ القديم نبياً بين الناس، يرشدهم ويهديهم، ويقوّم ما اعوج من طباعهم واذواقهم”(1). وقد ادرك (السياب) ان المضمون الذي لا يمثل حقائق العصر لا يمنح الشاعر وجوداً مؤثراً، وهذا ما أكّده حين رأى ان شعره “بناء فني جديد واتجاه واقعي جديد، جاء ليسحق الميوعة الرومانتيكية وادب الابراج العاجية”(2).
ويجعل (السياب) نفسه من دعاة الادب الواقعي قائلاً: “انني من دعاة الأدب الواقعي او الملتزم أو سمّه ما شئت ، فإنّ ما تدعوه وردة يبقى وردة وان سميناه باسم آخر كما يقول شكسبير”(3). ولكن اية واقعية يؤمن بها (السياب)؟ ان الواقعية التي يؤمن بها (السياب) هي الواقعية التي تحدث عنها (ستيفن سبندر) في محاضرته (الواقعية الجديدة والفن)، وهي واقعية تمكن الشاعر من تحليل مجتمعه تحليلاً يحوي اكبر قدر ممكن من الحقائق(4). وهي واقعية تنبع من نفس الشاعر، واقعية لها الدور في توثيق العلاقة بين الشاعر والمجتمع، وقد بين (السياب) ذلك حين قال: “أنا من المؤمنين بأن على الفنان ديناً يجب أن يؤديه لهذا المجتمع البائس الذي يعيش فيه ولكنني لا أرتضي ان نجعل الفنان –وبخاصة الشاعر- عبداً لهذه النظرية والشاعر إذا كان صادقاً في التعبير عن الحياة في كل نواحيها، فلابدّ من أن يعبّر عن آلام المجتمع وآماله ، دون أن يدفعه أحد الى هذا، كما أنه من الناحية الاخرى يعبر عن الآمه هو وأحاسيسه الخاصة التي هي في أعمق أغوارها أحاسيس الاكثرية من أفراد هذا المجتمع”(5) ولم يكتف (السياب) بدعوته التنظيريه فقط، فنراه يطبقها في قصيدته المشهورة (انشودة المطر)(6)، التي استطاع بوساطتها ان يرصد تمزقات الواقع العربي، وصراع المفاهيم القاطنة في الوجدان العربي، وصور الشاعر فيها معاناة الجيل وسوداوية المرحلة واحلام المستقبل(1). ف(السياب) في مرحلته الثانية شاعر ملتزم على مستوى الوجود والواقعية.
ومرحلته الثالثة كانت مرحلة ارتداد الى الذات، واستنكر الشاعر لكل ما جاء من شعره الملتزم، ورأى انه من الافضل عليه ان يكتب ما يجيش في نفسه، وان يكون مفهوم الشعر وغايته ذاتيين، وبعيدين عن الالتزام(2)، وعبر (السياب) عن ذلك فقال(3):

لقد سئم الشعر الذي كان يكتبُ
كما ملَّ اعماق السماء المذنبُ
فأدمى وأدمعا:
حروب وطوفان، بيوتُ تدمر
وما كان فيها من حياةٍ تصدعّا
وبدأت (نازك الملائكة) رومانسية في عاشقة الليل، ومفهوم الشعر عندها مفهوم متصلاً بالذات الباطنية حيناً، وباللاشعور حيناً آخر، والشاعر يعبر عن حالاته بفنه واحلامه معاً(4). وعبرت الشاعرة عن الشعر عندها بأنه مغامرة باطنية حدسية مطلقة. ولكن رومانسيتها هذه، لم تعزلها عن انطلاقها نحو الواقع الانساني الصاخب، واذا عدنا الى شعرها بعد مرحلة عاشقة الليل، نجد ان مفهوم الشعر عندها اصبح مفهوماً انسانياً، والشاعر ولد ليراقب مجرى الحياة، لأنه أصدق صوت معبر عن الانسان والآمه واحزانه(5).
لم تكن الشاعرة انطوائية طوال حياتها، أو تعيش في البروج العاجية، وانما هي شاعرة صورت واقع الحياة ومآسي الحروب وصور المجتمع، ولهذا وضعها معظم الباحثين في ضمن لائحة الشعراء القوميين العرب، ومن هؤلاء الباحثين (س . موريه)(1) و(عبد الرضا علي)(2) و(احمد مطلوب)(3)، وهذا ما يجعلنا نقول عنها بانها شاعرة ذات نزعة وطنية وقومية
ومفهوم (البياتي) للشعر يكاد يكون مفهوماً متنامياً خلال مراحله الشعرية. فقد بدأ ذا رؤى رومانسية، إلا ان الحس الجماعي كان غالباً على شعره، ومن خلال معايشة تجربته الشعرية نجد ان الرؤى الشعرية قد زادت كثافة وتعقيداً، من ديوان الى اخر، والشعر عنده اصبح بمثابة عملية الارتطام بهذا العالم، وان كتابته هي نوع من المعادل لوجود الانسان الذي يفنى في كل لحظة(4). وبهذا التنامي يجعل (البياتي) غاية الشعر، انسانية، ويأسى على الانزلاق بالرومانسية، ويحدد وظيفة الشعر وفعاليته في الواقع، لانه يرى ان الشعر الحق هو الذي يلتزم بالواقع الانساني بكل تناقضاته وصيرورة قضاياه. ومن هنا نراه يثور على دعاة الفن للفن ويصفهم بالمتسولين(5). لانهم لا يصورون الحقيقة، ولذلك ذهب يحقق قضيته من خلال شعره لمواجهة الظلم الاجتماعي، والذل الكوني الذي يواجهه الانسان رغبتاً منه في تحقيق العدالة على الارض(6). وايجاد حلٍ لمشكلة الموت التي يواجها
ودور الشاعر في ظل مفهوم (البياتي) للشعر، أشبه بدور العراف والنبي، ولا يكرر دروساً لقنها مثل المعلم، وانما يخلق ويتنبأ ويستشرف البقاع، ويحاول ايجاد نظام خاص للفوضى الابدية التي يعيشها الانسان من اجل أن يعبر عن المستقبل(7). بمعنى ان للشاعر رسالة ونبوءة خاصة به، ومن ثم لا يمكن لأي شاعر أن يضع وصية يمكن يستخدمها الشعراء الاخرون علامة للهداية. ومن هنا نستطيع ان نقول ان (البياتي) شاعر واقعي، ولكنه منحاز الى قضية سياسية، تمكن من رفعها من المستوى الفكري العام الى المستوى الشعري الخاص.
ومن خلال معرفتنا بمفهوم الشعر وغايته عند كل مرحلة من مراحل ابداع شعراء الشعر الحر، نرى انهم قد وفقوا بين المفهوم والغاية في الجانب التنظيري، وعبروا عنه اصدق تعبير شعراً، في كل مرحلة، وبذلك يمكن القول ان الشعر الحر ولد رومانسياً لكن الواقعية هي التي وصلته الى مرحلة النضج والبلوغ
اما الحديث عن مفهوم حداثة شعراء الشعر الحر في المستوى الدلالي، فأننا نجده يختلف عن حديثنا عن مفهوم شعراء المدارس التي سبقتها في مستوياتها الدلالية. لأننا نجد ان المعبر عنه/ المضمون نفسه يختلف من مرحلة الى اخرى عند كل شاعر من الرواد، بمعنى ان الاختلاف والتباين يظهر عند الشاعر الواحد في كل مرحلة كان له في كل منها موقف فكري يلتزم بمضامينه ويعبر عنها في شعره. وإذا تتبعنا مراحل شاعرية رواد الشعر الحر، يتضح لنا مفهوم حداثتهم في المستوى الدلالي عند كل فرد منهم
كان مضمون الشعر في مرحلة (السياب) الاولى مضموناً يطفح بالرومانسية المملوءة بعواطف الحب الثائر إذ “كان يكفي أن تلمس حسناء كتف شاعرنا في إحدى باحات الكلية.. تسأله في حياء عن موضوع المحاضرة التالية.. أو تتريث الى جواره وتحدثه قليلاً.. حتى تتحول داخل القصيدة الى شقيقة روح”(1). ومضمونه هنا يصب حول قضية اساس هي الحب، وقد جعل (السياب) من ديوانه (اساطير) صدى لهذه القضية، غير أنه غشاها بالغموض الفني(2)، الذي نعده مظهراً من مظاهر حداثة شعره. ولذلك كان مضمونه الاول يفصح عن احداث حياته وانعكاسه لمسيرته الذاتية. وهذا ما جعل شعره غالباً ما يرتبط بعواطفه، بمعنى انه يربط الشعر بعالمه الداخلي، والشعر الحق عنده هو الذي يؤثر في النفس، عن طريق عاطفة الشاعر. وقد اكد (السياب) على دور العاطفة في نتاج أي شاعر، ولشدّة تأكيده اهميتها، نراه يجعل القصائد التي تصدر من عاطفة قصائده خالية من التكلف، ويقول عن قصيدة (ذات الرقي) لخالد الشواف: “كانت جميلة منطلقة من عاطفة فخلت من التكلف. ان كل كلمة في قصيدتك تهنئة من ربة الشعر لك ذلك انك أرضيت عاطفتك بها ثم عدت فأرضيت عاطفة غيرك”(1) فالعاطفة اذاً هي نجاح الشاعر، و(السياب) لايريد من الشاعر ان يصوغ الحقائق الجاهزة شعراً، لا نه بذلك يقتل دور العاطفة وما تؤديه في وجدان المتلقي.
وبعد مرحلة (أساطير) التي تمثلت بالذاتية، والتي تحول عنها (السياب) الى مرحلة اخرى وهي مرحلة الاشتراكية وانتمائه للحزب الشيوعي العراقي قبل عام 1958، اخذ مضمونه الشعري يفصح عن اهم القضايا الحضارية والانسانية، وقد تمثلت هذه المرحلة بحالة من الصراع بين الايمان بالإنسان ودوره في الحياة، وبين إلغاء دوره وقتل انسانيته(2).
ولما كان (السياب) احد اطراف هذا الصراع، لجأ الى اسلوب يعدّه وسيلة فضلى لتصوير الواقع المتأزم، وحين “ادرك فقدان الروح، واضمحلال الانسان والثقافة قام بتوحيد نفسه، فكرياً، وفنياً مع جذوره الثقافية. وعبر بشكل رائع عن إيقاع الحياة والموت في العصر الحديث الذي يعيشه العرب”(3) وهذا الاسلوب هو استخدام الرموز والاساطير القديمة العربية والغربية في مضمونه الجديد، غير ان هذا الاستخدام لم يكن هروباً من الواقع ومشاكله، بل على العكس ، كان محاولة منه لتوحيد هذا الواقع مع الاسطورة، وتوحيد الاسطورة مع الواقع.
جعل (السياب) من الاسطورة منهجاً جديداً، وعنصراً فاعلاً من عناصر قصيدة الحداثة، ودعا الى إدخالها في الشعر الحديث، وقد اشار الى ذلك، عندما القى كلمة في إحدى امسيات مجلة شعر، فقال: “هناك مظهر مهم من مظاهر الشعر الحديث: هو اللجوء الى الخرافة والاسطورة، الى الرمز، ولم تكن الحاجة الى الرمز، الى الاسطورة، امس مما هي عليه اليو. فنحن نعيش في عالم لا شعر فيه، اعني ان القيم التي تسوده قيم لا شعرية، والكلمة العليا فيه للمادة لا للروح وراحت الاشياء التي كان بوسع الشاعر ان يقولها أو يحولها الى جزء من نفسه، تتحطم واحداً فواحداً، أو تنسحب الى هامش الحياة. اذن فالتعبير المباشر عن اللاشعور لن يكون شعراً. فماذا يفعل الشاعر اذن؟ عاد الى الاساطير، الى الخرافات، التي ما تزال تحتفظ بحرارتها لأنها ليست جزءاً من هذا العالم، عاد اليها ليستعملها رموزاً، وليبني منها عوالم يتحدى بها منطق الذهب والحديد”(1) وبذلك نفهم ان الحديث عن استخدام الاسطورة في الشعر لم يكن ملفتاً للنظر قبل تيار الشعر الحر، واهتمام (السياب) بها يعود الى رغبته في خلق عالم يرمز لعام الوجود الحقيقي
ان مفهوم (السياب) للأسطورة مفهوم واسع، لا يقف عند حدود القالب التعبيري، وانما هو اساس مضمونه الشعري الذي ينظم قصائده، بمعنى انها “صورة من صور التقمص بين ذات الشاعر والحضارات والثقافات التي اوصى اليها الانسان خلال العصر”(2). وقد استخرج منها الشاعر ابعاداً واقعية عكسها على واقعة الذي يعيش فيه(3). ومن ابرز قصائده التي استطاع ان يوحد فيها بين ذاته وبين تجربة الواقع المعايش قصيدته (انشودة المطر)(4) التي رفعت تجربته من ذاتيتها الى تجربة كونية شاملة(5)، بمعنى ان الشعر عنده اصبح اكثر التزاماً بقضايا الانسان والحضارة الكونية
ان مضمون (السياب) في هذه المرحلة يعتمد اعتماداً كبيراً على اساطير البعث والولادة والتجدد، وقد بلغ البعث اوجه في قصائده (المسيح بعد الصلب)(6) و(النهر والموت)(1)، التي حقق (السياب) فيها الرمز الاسطوري عن طريق تهديم جسر الموت، قضيته التي كان يعاني منها، والعبور الى ولادة جديدة. ونفهم ان الغاية الاساس من استخدامه لهذه الاساطير هو تجسيد حالته النفسية التي كانت تحس باضطهاد غريب في المجتمع. ومن اكثر الرموز والاساطير دوراناً في شعره، رمز المسيح، الذي يمثل خاصية متشابهة مع (السياب)، ولقد افاد منه الشاعر اكثر من ثلاثين مرة في ديوانه (انشودة المطر)(2) متخذاً منه رمزاً للشاعر الذي يضحي بنفسه في سبيل احياء مجتمعه. ويتخذ (السياب) من اسطورة السيد المسيح وسيلة ليتوحد معها، كما في قصيدته (العودة لجيكور)(3) التي بناها على استعارات استمدها من العهد الجديد، واستعارات اخرى استمدها من الصور الاسلامية ، وقد استطاع ان يوفق “توفيقاً بيناً بين الجانب الذاتي وبين الجانب الموضوعي”(4). ولكن نجاح (السياب) في هذا الجانب لم ينجو من الاتهام والعيوب، كالتي وجهها (انس داود) الية، حينما قال: “كما نجد الأسطورة، وتلك أخطر ظواهرها، تقتحم أجواء القصيدة فتشذ عن روحها العام، وتنبو عن طبيعة نسيجها الشعري وتحاول أن تكون استعراضاً لثقافة الشاعر أو تأكيداً مفتعلاً لعصرية شعره وحداثة أدواته الفنية فتسقط في دائرة الرفض، وتنبذ كل مادة زائفة، وفي شعر (السياب) كثيراً ما نشاهد هذه الظاهرة، لأنه قد حاول أن يعتمد اعتماداً كبيراً على الاسطورة”(5). ان اتهام (انس داود) للسياب، يظهر لنا وكأنه يتناسى الدوافع التي كانت تقف وراء استخدام (السياب) وشعراء الحداثة للأساطير. ومن جملة هذه الدوافع:
1. الدوافع التي تخص الحياة في المجتمع الحديث، والتي احدثت تحولاً خطيراً في كل ميادين الحياة، ومنها الشعر على وجه الخصوص(6)
2. الدوافع الفنية، وتتمثل في ضعف تأثير الجرس الصوتي للكلمات وشدة أسر التراكيب اللفظية، ودفع هذا العامل شعراء الحداثة الى ايجاد وسائل التكنيك الحديثة من “مجاز ورمز واسطورة إي الى التصوير المنظور لا الى التصوير المسموع”(1
3. رغبة الشاعر الحديث بالعودة باللغة الى دلالتها الهيروغليفية التصويرية الأولى(2). لان عالم الاساطير هو عالم بدائي له علاقة وثيقة ببدائية وصيرورة اللغة. ان الدوافع السابقة كانت سبباً لمحاولة الشعراء للتنويع والتجديد في جو القصيدة، وجعلها اكثر قدرة على الجمع بين الذات والموضوع الخاص والعام. وبعد هذه الدوافع نستطيع ان نقول ان (السياب) باعتماده على المصادر الميثولوجية والدينية والتاريخية، قد اغنى معنى القصيدة الحديثة، اعني انه استطاع ان يخلق مضموناً اكثر حداثة وتنوعاً للقصيدة العربية.
وتعبر (نازك الملائكة) في مضمونها الاول عن همومها الشخصية، جاعلة من تجاربها الحقيقية التي عاشتها وتلذذت بها محور القصيدة(3). ومن أبرز القضايا التي تجلت في سيل هذا المضمون مسألة الحب، وقد مارسته الشاعرة في ديوانها (عاشقة الليل)، الذي يمثل بداية مضمونها الذاتي، وبداية حبها، وفي قصيدة (بعد عام)(4) على وجه التحديد. والحقيقة ان حب (نازك) لا يمكن ان نضع له حداً معيناً، لأنها من خلال بحثها عن المحب الحقيقي لا تستطيع من مشاعرها الا ان تكون شاعرة متزنة، لان الحرية المكبوتة لا تستطيع ان تصنع تصوراً حقيقياً لكل قيمة حقيقية(5).
عُرفت الشاعرة في مرحلتها الشعرية الاولى برومنسيتها المتشائمة، وكانت تنظر الى الموت على أنه مأساة الوجود، إذ قالت: “كان من مشاعري إذ ذاك التشاؤم والخوف من الموت”(1). وكان هذا التشاؤم سبباً منطقياً للجوء الشاعرة الى الاحساس بالضياع والغربة. وقالت عنها (خالدة سعيد): “الاخرون عنها اغراب، العالم حولها غريب في سائر قصائدها، نمر بها وحيدة، تغني مشاعرها فقط”(2). والحقيقة ان طبيعة الشاعرة هي التي جعلتها تعاني من الاحساس بالغربة التي ذكرتها (خالدة سعيد). وذكر (عبد الله المهنا) انواع الاغتراب التي عانت منها (نازك)، وهي:
1. اغتراب اجتماعي: ويتمثل بموقفها المتعارض من العرف والتقاليد الاجتماعية.
2. . اغتراب فكري: ويمثل معاناة الشاعرة من مأساة الوجود الانساني
3. اغتراب نفسي: وقد انتاب هذا النوع من الاغتراب الشاعرة بالشعور بإن نفسها تتوق الى الانعتاق من هذا العال
4. اغتراب ابداعي: وتمثل بتجربتها الجديدة، بمعنى رغبتها في إحداث شكل جديد(3). ومن هنا ندرك ان (نازك) كانت مخلصة لذاتها، لآنها اهتزت امام كل المعايير التقليدية، وهذا ما ولد مشاعر الغربة عندها.
وبهذا كانت (نازك) في مرحلتها الاولى، بعيدة كل البعد عن المضامين العامة، وهي ترى ان تصوير الحياة والواقع ليس من مهام الشاعر، وانما هو من عمل اناس مختصين لهم من الدراية والثقافة التي تنفعهم بهذا العمل(4). وجاء رأيها هذا في مرحلة مغرقة في تتبع شؤونها وحدها، وقد انشغلت (نازك) بتصوير ذاتها، اذ كانت معروفة في “الدقّ الدائم على أوتار اليأس والميل الى التشاؤم، وإهمال الوجود الخارجي والانطواء على الذات انطواءً قريب الشبه بالمرض، لايعالج المشكلات بل يرفضها ويبتعد عنها”(5) ولذلك فهي ذهبت لمعالجة حالاتها الخاصة، ودعت الى معالجة الذات الباطنية وحالات اللاشعور، بعد ان وقف الشعر القديم على معالجة السلوك الخارجي للإنسان، ولان النفس البشرية غامضة فالتعبير عنها يكون بشكل رمزي(1). والسبب يعود لان هذه الحالات لا يمكن الافصاح عنها بالتعبير المباشر الذي يكون احياناً وسيلة محبطة عند التعب�

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: