مقالات

الإخوان المسلمين وقصة الخنزير الأحمر

د. محمود محمد علي
مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

شهد القرن الماضي حالة من الصراع والتوتر والتنافس بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وحلفائهم من فترة منتصف الأربعينيات حتى أوائل التسعينيات ، وهو ما يسمي بالحرب الباردة ، حيث أدرك الأمريكيون بأن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، والدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية.. مسارا يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية.
وهنا دعا جورج كينان (المنظر الأمريكي الحرب الباردة) للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ماهي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة.
وهنا قامت الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دوايت أيزنهاور” في وضع استراتيجية أخري لمواجهة المد الشيوعي، وتجسدت تلك الاستراتيجية من خلال الاعتماد علي الإسلام السياسي؛ وبالأخص الإخوان المسلمين؛ حيث يمكن تعبئتهم بشكل مناهض للشيوعية، وهنا برز سعيد رمضان زوج ابنة حسن البنا كمسؤول سياسي وخارجي لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكان لقاء رمضان مع الرئيس ” أيزنهاور” ، في البيت الأبيض نقطة انطلاقة لرمضان كمسؤول عسكري ايديولوجي للجماعة ، حيث كانت الولايات المتحدة تنظر لرمضان على أنه حليف محتمل لها بحربها ضد الشيوعية. وكان مؤتمر برنستون، ولقاء آيزنهاور وسعيد رمضان بداية لحقبة من الزواج العرفي بين الولايات المتحدة والإسلام السياسي.
وفي ذلك الوقت صدر كتابان مريبان في القاهرة ، قيل إنهما صادران من السفارة السوفيتية ، ليتبين فيما بعد أن المخابرات الأمريكية هي التي أصدرتهما، وكان الأول بعنوان ” محمد لم يوجد قط”، والثاني ، بعنوان ” أضرار الصوم في رمضان” ، وفي هذه الحرب الدعائية أطلق الأمريكيون ما سمي باسم برنامج ” الخنزير الأحمر” ، حيث تظهر شخصية سينمائية كرتونية في صورة خنزير يرتدي شعار ” النجم الأحمر الشيوعي”، ويحاول افتراس رجل اسمه ” الدين” ، ليلقي الخنزير مصرعه في النهاية علي يد ” الدين.
كما جربت المخابرات الأمريكية وسائل خلاقة إبداعية رغم أنها لم تكتمل للتواصل مع الحركة الإسلامية. بعض تلك الوسائل وردت في كتاب ” لعبة الأمم” والذي كتبه “مايلز كوبلاند” عميل المخابرات الأمريكية الذي خدم في الخمسينات كضابط اتصال مع عبد الناصر وقضي سنوات عديدة في أروقة السياسة العربية. وقد أشار كوبلاند إلي أنه في نفس الفترة التي تم فيها إطلاق برنامج الخنزير الأحمر فإن السي أي أيه أطلقت مشروع بيلي جراهام المسلم وفي عام 1951 استعار “دين اتشيسون” وزير الخارجية “كيرميت روزفلت” من المخابرات حديثة النشأة ليرأس لجنة عالية المستوي من المتخصصين بعضهم من الخارجية والبعض من وزارة الدفاع والبعض مستشارين من الشركات والجامعات ( وليس فيهم من هو من المخابرات إلا روزفلت ذاته) وكان هدف اللجنة هو دراسة العالم العربي كما قال كوبلاند وتم إطلاق عملية بيلي جراهام المسلم التي تهدف إلي تعبئة المشاعر الإسلامية، خلال اجتماع اللجنة.
وقال كوبلاند إن أحدهم روج لفكرة تعبئة المشاعر الدينية في حركة كبيرة باسم ” بيلي جراهام المسلم” ضد الشيوعية وذهب إلي حد اختيار رجل عراقي يتمتع بنوع من القدسية أو التبجيل للقيام بجولة في الدول العربية . ولم يتم الكشف عن شخصية الرجل العراقي . لكن كوبلاند اعتبر العملية بالكامل تجربة للتعلم. وقال أن المشروع لم يضر وعلمت إدارته اللجنة المعنية الكثير من الأفكار الخاطئة في تخطيطهم الأصلي وهي دروس استفادوا منها عندما وضع مستشارو الملك فيصل أمام مشروع مماثل علي أن يكون فيصل ذاته الرجل المبارك.
ومنذ ذلك الحين بدأ المخططون البريطانيون والأمريكيون قي التفكير في بناء تحالفات ونظام للدفاع ضد الاتحاد السوفيتي عبر حدوده الجنوبية ، أقحموا الإسلام في الموضوع، واعتبروا رابطة الدول العربية التي قامت بإيعاذ بريطاني مثلا ضعيفة لأنها لم تشتمل علي تركيا وإيران وباكستان، وعندئذ طرح اقتراح لتحويل جامعة الدول العربية إلي رابطة لعالم إسلامي لتشمل علي الأقل إحدى دول الشمالية وفشلت الفكرة وركزت السياسات التالية بدرجة أقل علي الإسلام وبشكل أكبر علي النفوذ الأنجلو أمريكي . وخلال فترة حكم ترومان وأيزنهاور استمرت الولايات المتحدة تنفذ سياسات وتقوم بجهود لتعبئة العالم الإسلامي في الحرب الباردة واستغلال الإسلام كسلاح ضد النفوذ السوفيتي.
وهنا يتضح لنا كيف بنت الولايات المتحدة علاقات مع الإخوان المسلمين كحليف لها، خلال الحرب الباردة في صراعها مع الشيوعية بالأساس، ولتقويض فكرة القومية العربية والناصرية التي جمعت بين الاثنتين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: